فخر الدين الرازي
68
تفسير الرازي
وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ أنه تعالى إذا كان ( يوم القيامة ) يحشر كل الحيوانات إظهار للعدل ، فكيف يجوز مع هذا أن لا يحشر المكلفين من الإنس والجن ؟ ( الثاني ) أنه تجتمع في موقف القيامة مع شدة نفرتها عن الناس في الدنيا وتبددها في الصحارى ، فدل هذا على أن اجتماعها إلى الناس ليس إلا من هول ذلك اليوم ( والثالث ) أن هذه الحيوانات بعضها غذاء للبغض ، ثم إنها في ذلك اليوم تجتمع ولا يتعرض بعضها لبعض ، وما ذاك إلا لشدة هول ذلك اليوم ، وفى الآية ( قول آخر ) لابن عباس وهو أن حشر الوحوش عبارة عن موتها ، يقال - إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم _ حشرتهم السنة ، وقرئ حشرت بالتشديد . ( السادس ) قوله تعالى ( وإذا البحار سجرت ) قرىء بالتخفيف والتشديد ، وفيه وجوه : ( أحدها ) أن أصل الكلمة من سجرت التنور إذا أو قدتها ، والشئ إذا وقد فيه نشف ما فيه من الرطوبة ، فحينئذ لا يبقى في البحار شئ من المياه البتة ، ثم إن الجبال قد سيرت على ما قال ( وسيرت الجبال ) وحينئذ تصير البحار والأرض شيئا واحدا في غاية الحرارة والاحراق ، ويحتمل أن تكون الأرض لما نشفت مياه البحار ربت فارتفعت فاستوت برؤوس الجبال ، ويحتمل أن الجبال لما اندكت وتفرقت أجزاؤها وصارت كالتراب وقع ذلك التراب في أسفل الجبال ، فصار وجه الأرض مستويا مع البحار ، ويصير الكل بحرا مسجورا ( وثانيها ) أن يكون ( سجرت ) بمعنى ( فجرت ) وذلك لان بين البحار حاجزا على ما قال ( مرج البحرين يلتقيان ، بينهما برزخ لا يبغيان ) فإذا رفع الله ذلك الحاجز فاض البعض في البعض ، وصارت البحار بحرا واحدا ، وهو قول الكلبي ( وثالثها ) ( سجرت ) أو قدت ، قال القفال : وهذا التأويل يحتمل وجوها ( الأول ) أن تكون جهنم في قعور البحار ، فهي الآن غير مسجورة لقيام الدنيا ، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل الله تأثير تلك النيران إلى البحار ، فصارت بالكلية مسجورة بسبب ذلك ( والثاني ) أن الله تعالى يلقى الشمس والقمر والكواكب في البحار ، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك ( والثالث ) أن يخلق الله تعالى بالبحار نيرانا عظيمة حتى تتسخن تلك المياه ، وأقول هذه الوجوه متكلفة لا حاجة إلى شئ منها ، لان القادر على تخريب الدنيا وإقامة القيامة لابد وأن يكون قادرا على أن يفعل بالبحار ما شاء من تسخين ، ومن قلب مياهها نيرانا من غير حاجة منه إلى أن يلقي فيها الشمس والقمر ، أو يكون تحتها نار جهنم . واعلم أن هذه العلامات الست يمكن وقوعها في أول زمان تخريب الدنيا ، ويمكن وقوعها أيضا بعد قيام القيامة ، وليس في اللفظ ما يدل على أحد الاحتمالين ، أما الستة الباقية فإنها مختصة بالقيامة .